ابن أبي حاتم الرازي

52

كتاب العلل

حديثٍ لا يلزَمُ منه أن يُسَمَّى الحديثُ معلولاً اصطلاحًا ؛ إذِ المعلولُ ما علَّته قادحةٌ خفيَّة ، والعِلَّةُ أَعَمُّ من أن تكون قادحةً أو غير قادحة ، خفيَّةً أو واضحة ؛ ولهذا قال الحاكم : وإنما يُعَلُّ الحديثُ مِنْ أوجهٍ ليس فيها للجَرْحِ مَدْخَل . وأما قوله : « وسمَّى الترمذيُّ النسخَ عِلَّةً » : هو من تتمَّة هذا التنبيه ؛ وذلك أنَّ مرادَ الترمذي : أنَّ الحديثَ المنسوخَ - مع صحَّته إسنادًا ومتنًا - طرَأَ عليه ما أوجَبَ عدمَ العملِ به ( 1 ) - وهو الناسخُ - ولا يلزم مِنْ ذلك أنْ يُسَمَّى المنسوخُ معلولاً اصطلاحًا كما قرَّرته ، والله أعلم » . وما ذكره الحافظ ابن حجر _ ح - من أنَّ اسمَ العِلَّة إذا أُطلِقَ على حديثٍ لا يلزم منه أن يُسَمَّى الحديثُ معلولاً اصطلاحًا ؛ إذِ المعلولُ ما علَّته قادحةٌ خفيَّة ، والعِلَّةُ أَعَمُّ من أن تكون قادحةً أو غير قادحة ، خفيَّةً أو واضحة - : اجتهادٌ منه مخالِفٌ لما عليه عملُ أئمَّة الحديث ، فكتُبُ العللِ التي صنَّفها الأئمَّة فيها توسُّعٌ في ذِكْرِ كلِّ ما يُعَلُّ به الحديثُ ، وجَعْلِ ذلك في أبوابِ العِلَلِ التي يُرَدُّ بها الحديث ( 2 ) ، حتى سمَّى ابن الجوزي كتابه : " العلل المتناهية " ، وهي عللٌ ظاهرة كما لا يخفى على كل مَنْ طالعه ، ولم نَجِدْ أحدًا منهم ذكر هذا الذي قاله الحافظ ابن حجر . وعليه : فالذي يظهر جوازُ إطلاق اسمِ العِلَّةِ على كلِّ قادحٍ في الحديث ، سواءٌ كان ظاهرًا أو خَفِيًّا ، في السند أو في المتن ، وجوازُ تسمية الحديث الذي وجدت فيه العِلَّة : مَعْلولاً ، أو مُعَلًّا ، غيرَ أنَّ استعمالها في العِلَّةِ الخفيَّة أجودُ بعد أنِ استقرَّ الاصطلاحُ على ذلك عند كثير من أهلِ الحديث بعد ابن الصلاح ، والله أعلم . وأما القدحُ في صحَّة الحديث : فَيُفْهَمُ منه أنَّ مِنَ العلل ما لا

--> ( 1 ) سبق ابنَ حجر إلى هذا كلٌّ من الزركشي والعراقي : قال الزركشي في " النكت " ( 2 / 215 ) : « لعل الترمذي يريد أنه عِلَّةٌ في العمل بالحديث ، لا أنه علة في صحته ؛ لاشتمالِ الصحيحِ على أحاديثَ منسوخةٍ » . ونحوه كلام العراقي في " شرح الألفية " ( ص 108 ) ، وانظر كلام الشيخ أحمد شاكر في تعليقه على " ألفية السيوطي " ( ص 59 - 60 ) . ( 2 ) مثال ذلك : قول ابن أبي حاتم في " العلل " ( 102 ) : « وَسَأَلْتُ أَبِي عَنْ حديثٍ رَوَاهُ عُمَرو بْن خَالِدٍ ، عَنْ زَيْدِ ابن عَلِيٍّ ، عَن آبائه : أنَّ عليًّا انكسرَتْ إحدى زنديه ، فأمره النَّبِيّ ( ص ) أنْ يمسحَ عَلَى الجبائر ؟ فَقَالَ أَبِي : هَذَا حَدِيثٌ بَاطِلٌ لا أَصْلَ لَهُ ، وعمرو بْن خَالِد متروك الحديث » . فوجود عمرو بن خالد في إسناد هذا الحديث علَّة ظاهرة يدركها كل أحد ، ومع ذلك عدَّه أبو حاتم معلولاً ، وأدرجه ابنه في كتاب " العلل " ، ومثل هذا كثير جِدًّا عنده وعند غيره .